هل الأجر على قدر المشقة كاف؟

بوستر المشقة والأجر

“الأجر على قدر المشقة” هو أحد المفاهيم المهمة التي تعلمناها في أداء العبادات، وهي أي “المشقة” بوابة للتفضيل بين الأعمال حين نريد الاختيار بين أكثرها أهمية في ميزان الأجر.

لكن في العمل الخيري والإنساني هل “الأجر على قدر المشقة” كافٍ؟ 

كنت في يونيو الماضي في ٢٠١٤ في زيارة مع الرحمة العالمية (وهي منظمة غير ربحية مقرها الكويت وتعمل في أكثر من 40 دولة في العالم) إلى تنزانيا من أجل القيام بتصوير وثائقي وكتابة مجموعة مقالات مصورة تعكس العمل الإنساني والخيري الذي تقوم به هناك في إغاثة المحتاجين العاجلة والعمل على تنمية الإنسان في مشروع عمل استراتيجي انتهجته الرحمة منذ عملها في الدول الأفريقية وغيرها.

كانت قد هطلت أمطار غزيرة على دار السلام في تنزانيا والقرى المحيطة بها لعدة أيام، أخبرونا هم أنهم لم يشهدوا مثيلا لها منذ ثلاثين سنة، مما تسبب في تدمير الحقول الزراعية في الغابات وإتلاف المحصول الزراعي للأسر الفقيرة التي تسكن الأدغال، كما تسبب في دمار المخزون الغذائي لتلك الأسر، حيث أن سكان القرى الفقيرة في الغابات بخلاف سكان المدينة، يعيشون في أكواخ مبنية من الطين وأغصان الشجر وهي لا تمنع بطبيعة الحال تلك الأمطار والسيول الغزيرة من اقتحام بيوتهم وتدمير ما تم تخزينه بها. ولذا قام مكتب الرحمة في تنزانيا بعمل حملة إغاثية عاجلة لتوزيع مواد غذائية ومؤن لتلك الأسر المتضررة من تلك الأمطار، وهو سبب زيارتنا لهم.

وقد كان، حيث في صبيحة يوم الجمعة السادس من يونيو ذهبنا في رحلة لإحدى القرى القريبة من دار السلام حيث تبعد مسافة ساعة ونصف بالسيارة، وذلك من أجل تحميل المواد الإغاثية ثم توزيعها للقرى المتضررة. هنا تبدأ محطاتنا التي شهدناها خلال اليوم، وهي عدة محطات، أستعرضها من باب التوثيق والاستفادة العملية من هذه المهام الوثائقية.

المحطة الأولى:

منزل أحد رجال الأعمال التنزانيين الخيرين، حيث حول حوش منزله لمخزن للمواد الغذائية مؤقتا، ومن هناك تم تحميل المواد الغذائية لسيارة شحن كبيرة ولكن قديمة.

كان يقوم بتحميل المواد مجموعة من الرجال بشكل يدوي، ملامح بعضهم ليست تنزانية، بل يمنية حيث يسكن الكثير من اليمنيين ويعملون في تنزانيا.

L1002127

L1002141

L1002090

L1002067

L1002201

L1002207

وقد كان الأخ عبدالعزيز الكندري رئيس مكتب شرق أفريقيا في الرحمة العالمية ومعه رمضان أحد العاملين الميدانيين في مكتب الرحمة في تنزانيا يشرفان بنفسهما على التحميل، حيث يجب أن ينتهي التحميل بأسرع وقت للمضي في برنامج بقية اليوم.

L1002224

L1002179

المحطة الثانية:

بعد أن تم تحميل سيارة الشحن، مشينا مسافة نصف ساعة على الطريق الرئيسي ثم نزلنا في طريق رملي داخل الغابة ويمشي أمامنا الدليل على موتور سيكل. في الطريق كان الأخ عبدالعزيز الكندري قد طلب من الدليل أن نمر على بعض الأسر المتضررة والمحتاجة بشكل عاجل في طريقنا للقرى لنوصل لهم المواد الغذائية باليد.

وقد كان، حيث زرنا أولا منزل امرأة عجوز قد تجاوز عمرها التسعين عاما، يسمونها “بيبي” أي جدتي وذلك لكبر سنها. استقبلتنا “بيبي” في كوخها المتواضع، حيث أخبرتنا أنها تعيش لوحدها بعد أن تركها أبناؤها وذهبوا ليعيشوا في المدينة، حيث يقوم جيرانها بمساعدتها أحيانا ان احتاجت. وأذكر حين طلبنا إذنها لندخل داخل منزلها لنراه ابتسمت وقالت باستحياء أنه ليس هناك شيء داخل المنزل لتروه!

L1002423

ثم زرنا بعدها منزلا وبه مجموعة من النساء العجائز ورجل عجوز باسم، هو لا يعلم كم عمره لكن في تقديري ربما قد تجاوز المائة، لكنه يعمل بيده ويصنع من أعواد الشجر سلالا وأدوات بدائية أخرى.

L1002451

L1002462

ثم زرنا أسرة أخرى حيث النساء يجلسن تحت ظل الشجر يتناولون إفطارهم ومعهم أطفالهم الصغار، ورجل عجوز يجلس قريبا منهم.

L1002506

L1002537

الحمدلله أن يسر الله لنا زيارة تلك الأسر الفقيرة وتقديم المساعدة التي كانت بفضل الله أولا ثم بفضل الرحمة العالمية، ولا شك أنه شعور لا يمكن وصفه ولكن نراه في أعينهم ونحسه في قلوبنا.

المحطة الثالثة:

حيث أكملنا بعد ذلك طريقنا لمدة ساعة إلا ربع تقريبا قبل أن تحدث المفاجأة، حيث رأينا أمامنا  سيارة الشحن قد تعطلت في أرض طينية صعبة، حدثت بسبب الأمطار والسيول، وربما بسبب قدم السيارة لم تتمكن من الخروج. تمت عدة محاولات لإصلاح وإخراج السيارة لكن لم تفلح.

L1002541

L1002580

L1002579

L1002559

حاولنا عبثا قطر سيارة الشحن بسيارة الجيب الباجيرو الذي نتنقل فيه، لكنها كانت محاولة عبثية يائسة، حيث انقطع سلك القطر بدون أي حركة لسيارة الشحن.

L1002596

بعدها قمنا باستدعاء أهالي القرية التي ننوي الذهاب إليها ليساعدوا في إخراج سيارة الشحن، وقد كان مشهدا جميلا ومؤثرا أن ترى تدفق الناس من كل مكان، صغارا وكبارا وعجائز، رجالا ونساء، جاء بعضهم مشيا على الأقدام، بعضهم جاء على العجلات الهوائية (وهي الطريقة المفضلة للتنقل في الغابات)، كما جاء البعض محمولا ومربوطا على الظهر وهو الأطفال. أيضا قمنا معهم بعدة محاولات لإخراج سيارة الشحن لكن كلها لم تفلح.

L1002647

L1002634

L1002638

L1002612

بحماس أهالي القرىتين، وبمحاولة لتنظيم عملية الدفع..

قمنا بمحاولة دفع سيارة الشحن إلى الأمام، لم تفلح المحاولة.

قمنا بمحاولة دفعها إلى الخلف.. أيضا لم تفلح المحاولات المتكررة.

L1002673

L1002701

في النهاية لم نتمكن من إخراج سيارة الشحن إلا بقطرها بشاحنة ضخمة لشركة صينية كانت في القرب تقوم بالتنقيب عن البترول، وصادف أن مر علينا أحد مهندسيهم وقدم يد المساعدة.

L1002737

L1002743

حينها فقط تنفس القوم الصعداء، ومضوا يسيرون خلف سيارة الشحن لاستلام المواد الغذائية والمؤن في قريتهم.

المحطة الرابعة:

خلال قدوم الأهالي ليساعدوا في إخراج الشاحنة، لاحظنا تجمع العديد من الأهالي مع بعض، ولاحظنا نقاشا جادا بينهم، وعلمنا أن هناك مشكلة ما لكن لم نعرف ماهي بسبب جهلنا بلغتهم.. بعد السؤال اكتشفنا أن من حضر هم من قريتين، وقد في خطة مكتب الرحمة هناك أن يقوم بتوزيع حمولة اليوم من المواد على القرية الأولى، على أن يتم توزيع حمولة أخرى على القرية الثانية في رحلة أخرى في نفس اليوم . ويبدو أن الخلاف كان على عدم اقتناع بعض الأهالي بأن هناك حمولة أخرى، وعلى أي قرية تكون الأولى. لم نتدخل بينهم، حيث أن من بين من حضر رؤساء كل قرية، وقد تمكنوا بحمد الله من تهدئة الناس والاتفاق على أى القريتين تكون حمولة اليوم من نصيبها.

L1002660

بعد الانتهاء من مشكلة إخراج الشاحنة كان الوقت بالفعل قد تأخر حيث استغرق منا جهود إخراجها مايقارب من ثلاث ساعات، وقد كان موعد سفرنا في نفس اليوم لذا لم نتمكن من البقاء لحين توزيع المواد الغذائية، ولكن ما شهدناه خلال اليوم كان كفيلا بأن نطمئن لسلامة تلك الجهود وأن نرجع بفوائد عديدة قدر الله أن نشهدها خلال أحداث ذلك اليوم.

L1002759

وحيث أن حديثي هنا عن المشاق التي يواجهها العاملون في لجنة الرحمة العالمية في عملهم الإنساني والخيري هناك، ومن خلال جلسات حوار مع مدير مكتب الرحمة في تنزانيا السيد سامي العزب، أوجز تلك فيما يلي:

أولا: المتابعة الدائمة لأحوال القرى هناك التي تقع تحت مناطق عمل لجنة الرحمة العالمية، والتعرف على احتياجاتهم، وذلك يتم بالتنسيق مع البلديات المحلية وتقديم يد العون لهم، ومن خلال هذا التنسسيق يتم حصر الاحتياجات للقرى الفقيرة من آبار ماء أو مساجد أو مدارس أو إغاثة أو غيرها.

ثانيا: التوسع المدروس لمناطق العمل، وتأمين احتياجاتهم من المشاريع التنموية والإغاثات العاجلة حين حدوث كوارث، خاصة في بلد مثل تنزانيا ذات توسع جغرافي ممتد ومتنوع، وقد أخبرني السيد سامي العزب أن بعض الرحلات الاستكشافية تأخذ منهم مسيرا بالسيارة قرابة إثنا عشر ساعة، فقط ليصلوا لتلك القرى ويدرسوا أوضاعهم هناك. وحيث أن حديثي هنا هو عن المشاق في توزيع المواد الإغاثية العاجلة جراء هطول الأمطار الغزيرة، لذا سأرجئ حديثي عن المشاريع التنموية والمشاق التي تتكبدها الرحمة العالمية وغيرها من المؤسسات التي تعمل في المجال الإنساني والخيري هناك لمقالة أخرى.

ثالثا: الإشراف المباشر على تأمين المواد الإغاثية وشرائها بالأسعار المعقولة، مع التأكد من سلامة التخزين وصلاحيتها للاستخدام.

رابعا: توصيل تلك المساعدات والمواد الإغاثية لمحتاجيها، مع تحمل كل ما يعترض طريقهم في سبيل توصيل تلك المساعدات.

خامسا: يقولون صاحب الحاجة أعمى، لذا لكم أن تتخيلوا مقدار المشقة في تحمل مقالة أصحاب الحاجة هناك وازدحامهم وتنظيم تدافعهم ممن هدمت بيوتهم أو تدمرت محاصيلهم الزراعية.

قدر الله أن يكون يومنا ذاك يوم غير عادي، فقد خططنا لتوزيع المواد الإغاثية بسلاسة كما كنا نقوم في عدة زيارات أخرى وفي دول أخرى، لكن أراد الله أن يرينا لحكمته تلك المحطات لنشهد أنواع المشاق التي يتكبدها العاملون في العمل الإنساني والخيري والإغاثي، لنعلم مدى صعوبة العمل الذي يمارسونه كل يوم، وما يجب أن يتحلى به العاملون هناك من أمانة وصدق في العمل وسعة البال، بالإضافة لمواصفات في القيادة والأخلاق.

وعَوْداً لما بدأت به مقالتي، هل “الأجر على قدر المشقة” كافٍ؟

نعم، قد يكون الأجر على قدر المشقة كافٍ إلى حد ما، فربنا كريم والأجر يتحصل بالنية إن خلصت وليس فقط بالعمل..

لكن الخيرية هي في الاجتهاد في تجاوز المشقة والصعوبات التي تواجه إنفاذ العمل كما خُطط له، لتوصيل المنفعة للناس المحتاجة.

فقد أخرج  الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أوتقضي عنه ديناً، أوتطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يُثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلّ الأقدام..”

وأخيرا..

في ختام هذه المقالة الوثائقية المصورة، ومع تقديري وامتناني للرحمة العالمية لتلك الرحلة الرائعة، أود كمصور وثائقي  أن أشير أن مثل هذه الجهود الوثائقية التي أقوم أنا وغيري من المصورين الوثائقيين بها قد تؤدي الغرض منها بشكل طيب لبعض الوقت ولا تخلو من ضربة حظ وتوفيق من الله لم يُخطط له، لكن الجهود وحجم العمل والعمل الإنساني والحاجة هناك تحتاج أكثر من مجرد رحلة في نهاية الأسبوع لأيام قليلة، ما يحتاجه العمل الخيري هو تبني أجندة إعلامية توثيقية عملية تقوم من خلالها تلك المؤسسات الإنسانية العاملة في الدول الفقيرة بابتعاث مصورين وفق خطة محددة لأيام طويلة وربما أسابيع لتنفيذ مهام تصويرية وثائقية محددة، يتم فيها العمل على ملفات إعلامية بعمق وتأني، حينها فقط نتمكن من أن نعطي العمل الإنساني حقه من التغطية والتقدير، وحينها فقط يمكننا أن نُري العالم النفع الكبير الذي تقوم به تلك المؤسسات للإنسان أينما كان.

سامي الرميان

مصور فوتوغرافي وثائقي

2 comments

  1. Farouq Abdul-Aziz

    لا أعلم يقيناً إن كان الأجر هنا على قدر المشقة أم لا ولكن الذي أدعوا الله الكريم به أن يثيب كل من شارك ويشارك في هذا العمل خير الثواب … ثوابا من عند الله.
    بو أحمد بعض أعمالك هنا تتعدى جانب كونها تسجيلا إخباريا وتذكر بأعمال المصور الكيني الممتاز محمد أمين الذي انتقل الى العالمية بفضل تصاويره المبنية كاللوحة الفنية ولكنها تفيض بروح إنسانية غلابة … عندك من هذا الذي أتمنى أن تجمعه وربما تعرضه في قاعة عرض لكي ترسل رسالة، من بين رسائل عديدة، إلى الجهات الخيرية الكويتية لفهم وتطبيق الدعوة المثقفة والعملية معا للاهتمام الجدي بالتوثيق بالوسائل المختلفة لأعمالها الخيرية … بارك الله فيك ولك ومشكور لاشراكي في الاستمتاع وتأمل هذه التجربة العظيمة … بو أحمد تكاد تكون الوحيد الذي قدم نموذجاً راقياً لتسجيل حالات اتصال إنساني بين العمل الخيري والانسان … واصل طريقك ووفقك الله واخوانك لتحقيق إنجازات فنية وإعلامية لا تقل أهمية عن العمل الخيري.

  2. صالح محمد

    تنبيه جميل وعلي رغم الحرب والشكوك الهائله علي الجمعيات الخيريه لاتجدها تهتم بمثل ذلك او علي الأقل وسائل التواصل التي تجدها شبه مغيبة
    رغم انها لاتكلف شيئا. حقيقة اني احتار واسأل الله ان يمكنني من العمل في هذه الجمعيات لأستطيع ان اعلق بشكل واضح علي مثل هذه الملاحظات
    هل هي سوء إدارة ؟
    هل هي ضغوط خارجيه؟
    هل هي خوف من توجسات مبنيه علي التوقع ؟
    المؤكد ان هناك غياب تام للشفافيه

    ودمت بود اخي الفاضل علي هذا العمل الرائع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: